محمد أحمد خلف الله
128
الفن القصصي في القرآن الكريم
فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ « 1 » . ويترتب على هذه العقبات أنواع من الألم تختلف قوة وضعفا فقد يخرج الألم الرسول عن حد الاعتدال والقصد فتثور انفعالاته وتضطرب نفسه وتجمح العواطف حتى ليعجز عن كبحها وذلك هو الواضح من موقف ذي النون عليه السلام حين ذهب مغاضبا وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ « 2 » . وقد يؤثّر هذا الألم على الاتجاه العام في حياة الرسول والدعوة حتى ليهم بتركها وذلك هو الواضح من قوله تعالى فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ « 3 » . وقد يكون هذا الألم من القوة والعنف بحيث يبعث الشك في النفوس ويبذر اليأس في القلوب والحالة الأولى هي التي يصوّرها قوله تعالى فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ « 4 » . كما يصوّرها قوله حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ « 5 » . إلا أنه على الرغم من كل هذه العقبات فإن الرسل يظفرون بالانتصار فنراهم وقد تخطّوا العقبات وانتصروا على الأعداء حتى لكأن الألم الذي عانوه لم يكن إلا المطهر الذي نفث فيهم الصلابة والقوة وأحالهم خلقا آخرين أقدر من غيرهم على تحمّل العقبات
--> ( 1 ) سورة الأعراف ، الآيات 65 - 72 . ( 2 ) سورة الأنبياء ، الآيتان 87 - 88 . ( 3 ) سورة هود ، الآية 12 . ( 4 ) سورة يونس ، الآية 94 . ( 5 ) سورة يوسف ، الآية 110 .